أحمد مصطفى المراغي
18
تفسير المراغي
وتمور : أي تضطرب وترتجّ وهي في مكانها ، وأصل المور التردد في الذهاب والمجيء ، وقد يطلق على السير مطلقا كما قال الأعشى : كأن مشيتها من بيت جارتها * مور السحابة لا ريث ولا عجل وأصل الخوض : السير في الماء ثم استعمل في الشروع في كل شئ وغلب في الخوض في الباطل ، كالإحضار فإنه عام في كل شئ ثم غلب استعماله في الإحضار للعذاب ، يدعّون : أي يدفعون دفعا عنيفا شديدا بأن تغلّ أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعون إلى النار ويطرحون فيها . المعنى الجملي أقسم سبحانه بمخلوقاته العظيمة ، الدالة على كمال قدرته ، وبديع صنعته ، وعدّ منها أماكن ثلاثة : الطور ، والبيت المعمور ، والبحر المسجور - لأنبياء ثلاثة كانوا ينفردون للخلوة بربهم ، والخلاص من الخلق لمناجاة الخالق ، فانتقل موسى إلى الطور وخاطب ربه وقال « أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا » وقال « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » وانتقل محمد إلى البيت المعمور وناجى ربه وقال « سلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ، وكلم يونس ربه في البحر وقال : « لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » . وقرن الكتاب بالطور لأن موسى كان ينزل عليه الكتاب وهو به ، وقرن السقف المرفوع بالبيت المعمور ليعلم عظمة شأن محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وأقسم بكل هذا على أن العذاب يوم القيامة نازل بأعدائه الذين يخوضون في الباطل ويتخذون الدين هزوا ولعبا ، فيدفعون إلى النار دفعا عنيفا ويقال لهم : هذه هي النار التي كنتم بها تكذبون ، ادخلوها وقاسوا شدائدها ، وسواء عليكم أجزعتم أم صبرتم مالكم منها مهرب ولا خلاص .